صحيفة نجران الإلكترونية

جديد الأخبار




جديد الصور

تغذيات RSS

الأخبار
كتب وأدب
من الأيديولوجيا إلى الفلسفة والدين كتاب من نوع خاص


من الأيديولوجيا إلى الفلسفة والدين كتاب من نوع خاص
من الأيديولوجيا إلى الفلسفة والدين كتاب من نوع خاص
03-22-2010 11:43 AM
صحيفة نجران : دمشق
هذا كتاب من نوع خاص، يعرض فيه المؤلف السوري أحمد حيدر، المشتغل بالفلسفة، وجهة نظره عبر وجهات نظر الآخرين. إذ يتألف من مجموعة كبيرة من آراء فلاسفة وعلماء اجتماع، ومفكرين وباحثين في الموضوع الذي يشكل عنوان الكتاب "من الأيديولوجيا إلى الفلسفة والدين" محتواه الفعلي، مع تدخل طفيف، وأحياناً بلا تدخل من المؤلف. وفي نهاية المطاف تتكشف وجهة نظر الكاتب عبر الاطلاع على، واستيعاب، وجهات نظر الآخرين.

يبدو الكتاب كأنه مختارات لأقوال كتّاب عديدين "بعضهم مرموق فعلاً" في مواضيع فلسفية ومعرفية. لكنه ليس هكذا، حقيقة، بل هو كتاب يتضمن وجهة نظر المؤلف في هذه المواضيع، إنما، كما قلت، عبر وجهات نظر الآخرين.

يعتبر الكاتب أن مقالته هذه، "وهي هذا الكتاب المؤلف من 160 صفحة من القطع الكبير"، في غالبيتها جمع لهذه النصوص وتنسيق وتأليف فيما بينها. لكن ليس هذا من أجل عرض وجهات نظر الآخرين ومقاصدهم، بل من أجل عرض وجهة نظري الشخصية وقصدي الذاتي.

ويقول إنه يفضل هذه الطريقة في الكتابة. عندما "أجد أنني لن أعبر عن رأيي بأفضل مما عبر عنه نص فيلسوف، دون أن تكون وجهة نظره مطابقة بالضرورة لوجهة نظري، إذ يكفي أن تتطابق النصوص المقتبسة مع قصدي. وقد تكون السياقات الكلية مختلفة تماماً مع ذلك". لكنه يعترف أن اجتزاء نصوص من سياقاتها، وفصلها عن المذهب الكلي خيانة لقصد المفكر الأساسي، ويعتبر أن ذلك هو "آفة التوثيق" حيث جعل الكاتب المفكرين يعبّرون عما هو خارج قصدهم! ويوافق على أن البعض سيعتبر ذلك تعسفاً.

ولكنه يستند في غفران ذلك له على أنه، كما يقول، يتحرك "في مجال لا يحظى بالاعتراف غالباً، هو مجال الفكر الأخلاقي. حيث الأرض غير مستقرة تماماً. فالفكر الأخلاقي هو على التخوم بين الفكر الديني والفلسفي".

يعتبر الكاتب أن الميتافيزيقا لم توجد عبثاً أو أنها ترف فكري، بل هي تعبر عن حاجة إنسانية عميقة. هي حاجة الإنسان إلى أن يعتبر شخصاً فائقاً للطبيعة، فهو الكائن الذي لا ينفصل وجوده عن تصوره لنفسه في صورة الذات، أو الشخص المميز عن كائنات الطبيعة. هذا الطموح إلى التشخصن لا ينفصل عن الطموح إلى بناء نظام عقلاني للعالم، يكون موئلاً للإنسان، يصونه من أن يرد إلى مستوى الأشياء.

من هذه الحاجة إلى التشخصن، ينطلق التساؤل الميتافيزيقي حول معنى العالم. فالميتافيزيقا هي التساؤل. أما الفلسفة، فهي المذهب الذي يصوغ نظاماً عقلانياً للعالم. وعلى هذا النحو تكون الميتافيزيقا هي النابض الدّينامي الخالد للمذاهب الفلسفية، النسبية، المرتبطة غالباً بمراحلها التاريخية.

فمفهوم الشخص ليس متحققاً في الواقع، ولكنه صورة أو أنموذج مثالي، يتجه نحو التشخصن الإنساني، ويتخذه معياراً لطريقته أو نمط وجوده في العالم. هذا المعيار هو المعيار الأخلاقي، كما يرى المؤلف، في النظر إلى الإنسان وطريقة معاملته. وهذا مطلب من مطالب كانط: أن نُعامل الإنسان بصفته غاية في ذاته لا وسيلة، بصفته شخصاً وليس شيئاً، ذاتاً وليس أداة.

ويستند إلى المثال الشهير الذي يؤكد عليه كانط، والمتمثل في أنه لو كانت سعادة العالم كله متوقفة على قتل طفل بريء، لكان هذا عملاً منافياً للمبدأ الأخلاقي. فالشخص مفهوم كلي يعني كل شخص إنساني بما هو الكائن المتميز الذي لا يمكن استبداله.

من المفيد ذكره أن أحمد حيدر واحد من المشتغلين بالفلسفة الذين ينتمون إلى المذهب الأخلاقي في الفلسفة. وهذه تنظر إلى الإنسان على أنه الغاية النهائية للعالم والمعرفة والفكر، وما إلى ذلك. ويندرج هذا المذهب في إطار الفلسفة الشخصانية التي قد ولدت، كما يرى الكاتب، في حضن الدين، ولكنها تطورت نحو العلمانية، وأصبحت فلسفة مستقلة عن الدين.

تنظر هذه الفلسفة على أن الشخص على أنه فردي يشمل كل فرد، وكلي يشير إلى كل إنسان. فهو الخلية الإنسانية التي تعبر عن النسيج الإنساني. فالشخص أغنى الإنسان بأبعاد جديدة، أهمها بُعد الحياة الداخلية والحوار مع الذات ومراقبتها بصفتها مسؤولة أمام نفسها وأمام الله والمجتمع. ولذلك فهي تمتلك الوعي والإرادة والحرية. والذات أو الشخص يتجلى في مصير يؤلف المنحنى الشخصي لها، فزمانها (أي الذات) ليس دائرياً كالزمان الإغريقي، ولكنه خط بياني مفتوح على اللانهاية.

في مكان آخر يرى الكاتب أن مفهوم الشخص ظل في الحضارة اليونانية ملحقاً بالميتولوجيا وحتمية القدر اللامعقولة. تلك الحتمية التي تلف البشر والآلهة على السواء. ولم يبلغ مستوى النضج والتفتح لكامل إمكاناته، إلا في الأديان الشخصانية. فالحضارات متفاعلة متثاقفة، وليست معزولة بحدود صارمة كالحدود السياسية، ولكن المفاهيم الثقافية تتنقل في مناخاتها وتتغذى منها. فليس هناك مفاهيم خاصة بحضارة دون سواها، ولكن المفاهيم إرث إنساني مشترك. فمفهوم الشخص ليس وقفاً على الأديان الشخصانية، ولكنه ينتشر في العالم، انطلاقاً منها. إن مفهوم الشخص مولود في عصر الأسطورة البدائية، ولم يمر مروراً عابراً في الحضارة اليونانية، لكنها كانت محطة أساسية في رحلته العالمية.

انطلاقاً من هذا المفهوم وإلحاحه على الكاتب، يرى أن البعد الشخصاني هو البعد المفقود في عصرنا، عصر العولمة التي تصر على دماره بدمار هويته في صورتها الفردية والاجتماعية. ومع ذلك فهو، كما يقول، يتحاشى الكلام عن الهوية القومية المغطاة بركام الأيديولوجيات. ويرى أنه لا بد من تطهيرها من طقوس الأيديولوجيا.

وكحلول لهذه الإشكالات، يقترح الكاتب على الفلسفة أن التأليف الذي يمكنها أن تقدمه في عصر العلم، هو التأليف بين الشخص الإنساني بصفته القيمة الأخلاقية العليا التي يشتق منها نظام القيم الإنساني، وبين النظام العلمي للطبيعة الذي لا ينفصل عن امتداده التكنولوجي. هذا التأليف يحرر الإنسان من الأيديولوجيا وضلالاتها. وينقلنا من وحدانية الخط في التفسير والتقويم والممارسة، إلى الثنائية التي تضع العلم والتكنولوجيا تحت رقابة الإنسان.

الحقيقة، مع هذا الكتاب وخارجاً عنه في الوقت ذاته، ثمة من يرى أن المشكلة الكبرى لعصرنا الحاضر، هي غياب الجانب الأخلاقي عنه، علماً وتكنولوجيات وتقنيات وفلسفات ومعارف... إلخ. وقد يكون هذا الكتاب، في وجه من وجوهه، تذكيرا للعالم بهذا الجانب الأخلاقي.


الكتاب: من الأيديولوجيا إلى الفلسفة والدين.

الكاتب: أحمد حيدر.

الناشر : دار الحوار- اللاذقية- سورية.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 586


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
1.00/10 (2 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.