صحيفة نجران الإلكترونية

جديد الأخبار




جديد الصور

تغذيات RSS

الأخبار
كتب وأدب
الكتاب العزيزي في أقاليم الأرض وأشكال البلدان


الكتاب العزيزي في أقاليم الأرض وأشكال البلدان
الكتاب العزيزي  في أقاليم الأرض وأشكال البلدان
03-09-2010 02:37 PM
صحيفة نجران :
ينتمي هذا الكتاب إلى ذلك العلم الذي عرف بعلم "المسالك والممالك" الذي نشأ في أوج ازدهار الخلافة العباسية على يد عدد من المصنِّفين وكتّاب الدواوين. وقد كان كتاب ابن خرداذبة "المسالك والممالك" الذي وضعه سنة 846 م فاتحة هذا العلم.. ويعتبر هذا العلم أنه علم الجغرافيا الوصفية.

من أغنى كتب "المسالك والممالك" هذا الكتاب الذي وضعه الحسن بن أحمد المهلّبي الذي عاش في مصر (وقد يكون مصرياً) خلال المرحلة الفاطمية. وقد كتبه للخليفة العزيز بالله الفاطمي في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وسماه بـ"الكتاب العزيزي". وهو كتاب شديد الأهمية ذكره كبار الكتاب التراثيين المختصين في هذا العلم كياقوت الحموي وابن العديم. كما ذكره المستشرق آدم ميتز صاحب كتاب "الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري"، وقال:"إن لكتاب المهلّبي مزية، هي أنه أول كتاب وصف بلاد السودان وصفاً دقيقاً، وكان علماء الجغرافية في القرن الرابع لا يعرفون من أخبار السودان شيئاً".

كتاب مهم جداً، لكنه كان مفقودا- وسوف ترد الأسباب في سياق هذا العرض- فقام الباحث تيسير خلف بجمعه من بطون الكتب، وتحقيقه، والتّعليق عليه في جهد يبدو كبيراً فعلاً. لقد جمع شتات الكتاب من مختلف المصادر المتوفرة مثل "تقويم البلدان" لأبي الفداء، و"معجم البلدان" لياقوت الحموي، و"بغية الطلب" لابن العديم، ومخطوطة مكتبة الأمبروزيانا الإيطالية التي حوت عدداً من صفحات الكتاب، تلك المخطوطة التي تتضمن وصفاً لبيت المقدس ووصفاً لدمشق وذكراً لولاة مصر.

وقد أدى صعود نجم السلاجقة الترك، وبعدهم الأيوبيين الكورد، في فترة الحروب الصليبية، وهم من السنّة، أدى إلى تراجع النفوذ الشيعي في بلاد الشام بشكل متدرج، إلى أن تم إقصاؤه نهائياً في العصر المملوكي. وهنا يشير الباحث إلى حالة الجمود الفكري التي سادت بلاد الشام ومصر في نهاية دولة الشراكسة. وهو ما يجعل الباحث يعتقد أن ذلك العصر تحديداً شهد إحراق "الكتاب العزيزي"، حيث فُقد أثره، ولم يعد قيد التداول.

ورغم أن القلقشندي الذي عاش في الجزء الثاني من الفترة المملوكية، نقل عنه أكثر من مائة مرة في "صبح الأعشى"، إلا أن مراجعة الباحث لتلك المنقولات جعلته يتأكد من أنه أخذها من أبي الفداء وليس من المصدر. كما يمكن القول إن اقتباس عز الدين بن شداد لمقطع حول مدينة حلب من المهلّبي كان عن طريق ابن العديم وليس من المصدر أيضاً.

ويتضح ضيق ابن شداد المتوفى سنة 684 هجرية [1285 م] مما ورد في كتاب المهلّبي؛ عندما استنكر بعض ما ذكر عن حلب، قائلاً في نهاية اقتباسه:"وذكر كلاماً كثيراً لا يليق بما نحن بصدده؛ فأضربنا عنه". عكس أبي الفداء الذي نقل خبر بناء الوليد بن عبد الملك للقباب في بيت المقدس، ومحاولته صرف الناس عن الحج إلى البيت الحرام، وقال معلّقاً:"والعهد عليه في ذلك". أي أنه لم يصدر حكم قيمة عليه، بل ذكر أنه لم يعثر على هذه الرواية في مصدر آخر، ولذلك أشار تلك الإشارة.

ويتضح من خلال ما وصلَنا من كتاب "المسالك والممالك" أن المهلبي رحالة لا يُشق له غبار. وصل إلى أقاليم لم يسبقه أحد إليها. وخصوصاً في بلاد السودان. كما أنه يتحدث عن المسافات والطرق حديث العارف المجرب. وهو ما انتبه إليه أبو الفداء وأشار إليه أكثر من مرة. وتتصف معلومات المهلّبي بدقتها بالنسبة للمسافات بين المدن والأقاليم، وجدّتها حيث يبدو مصدراً وحيداً لبعض المواضع وسعتها، حيث يذكر مصدر مصادر المياه، وعادات الناس، وأحوالهم وزروعهم ومحاصيلهم. وأكثر ما يثير الدهشة تلك الأرقام التي يسوقها عند حديثه عن نفقات طرسوس على تأمين حمايتها قبيل سقوطها بيد البيزنطيين بقيادة نقفور فوكاس عام 354 هجرية [965 ميلادية].

ومن خلال وصف المهلبي نستطيع أن نكوّن فكرة شبه كاملة عن التاريخ الاجتماعي والتركيبة السكانية للثغور الإسلامية الشمالية قبيل سقوطها، وربما، العوامل التي أدت إلى هذا السقوط. كما أن الكتاب يحفل بمعلومات جديدة حول دمشق وبيت المقدس وحلب وأنطاكية، وغيرها من المدن التي وصلتنا مقاطع مسهبة عنها. ما يؤشر إلى غنًى وسعة معلوماتٍ، لم يغيبا عن ابن العديم الذي نوّه إلى أن فيه ما لا يوجد في غيره.

سعى الباحث، كما يقول، من خلال إعادة جمع هذا الكتاب من شتات الكتب والمخطوطات وترتيبه وتحقيقه، سعى إلى إضاءة جانب مهم وأساس من جوانب الثقافة العربية الإسلامية، بعد قرون من محاولات تأطيرها في نمط فكري محدد، أو ضمن لون واحد لا يرى الآخر ولا يعترف باختلافه، بل يلجأ إلى تكفيره واختزاله، وقولبته في أنماط فكرية ومقولات جاهزة.

ولنا في قول أبي الفداء:"والعهد عليه في ذلك" أي الرواية على ذمة الراوي، خير منهج في التعاطي مع الرواية المخالفة، أو تلك التي لا تتفق مع توجهاتنا، ذلك المنهج الذي غاب منذ نحو سبعة قرون؛ فوصلنا إلى ما وصلنا إليه.

قام جامع الكتاب ومحققه بالسير، منهجياَ، على طريقة "تقويم البلدان" لأبي الفداء نظراً لدقته، وعاد إلى الكتاب المقدس بعهديه: القديم والجديد؛ للوقوف على الاقتباسات التي أخذها المهلّبي، عندما تحدث عن تاريخ بيت المقدس، حيث وجد خلف تطابقاً بين ما نقله المهلّبي وبين أسفار العهد القديم دون أن يشير، كعادة الأقدمين، إلى المصدر.

إنه كتاب تراثي جديد يضاف إلى جملة الكتب التراثية المهمة، والذي أعاده تيسير خلف من موته بجهد ملحوظ.





الكتاب: الكتاب العزيزي.. المسالك والممالك.

الكاتب: الحسن بن أحمد المهلّبي.

جمعه وعلّق عليه: تيسير خلف.

الناشر: دار التكوين- دمشق.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 240


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
2.41/10 (6 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.