النقوش والعمارة العربية في قصور الحمراء
12-17-2009 02:04 PM
صحيفة نجران:
مجموعة من اللوحات والصور والأشكال التوضيحية، وستة فصول، يعيد د. محمد عبد المنعم الجمل في كتابه: "قصور الحمراء - ديوان العمارة والنقوش العربية" الأندلس إلى واجهة الشعور العربي بالمجد الضائع، والحضارة الغابرة، والغزو الإنساني.. ومع هذا الشعور تتفاقم الأندلس على أنها عقدة أوديب العرب المستعصية، بفضل الإخفاقات العربية المتصلة والمستمرة، منذ انهيار الحضارة العربية الإسلامية الكلاسيكية في الأندلس.
إن عربياً واحداً لن ينسى قصور الحمراء التي تثير "في نفس كل من يشاهدها ذكريات المجد والفخار" فقد كانت "مصدر إلهام لأدباء الغرب في تاريخنا المعاصر، فقد اجتذبت بروائعها القصّاص والكاتب الأمريكي الشهير واشنطن أرفنج، ليمضى فيها عدة ليالٍ يستلهم منها مادة لقصصه ورواياته، ومنذ ذلك الحين انتجعها جمهور من الفنانين والأدباء، أثروا بإنتاجهم الأدبي والفني، عن حمراء غرناطة، المكتبات والمتاحف، ومن هؤلاء العباقرة الموسيقي الإسباني الشهير مانويل دي فايا، والشاعر الأديب جارسيا لوركا، والأديب الفرنسي شاتوبريان، ومؤخراً أنطونيو جالا الذي حقق نجاحاً منقطع النظير بروايته "المخطوط القرمزي" التي تدور أحداثها في حمراء غرناطة، في أواخر عصر بني الأحمر، وآخرين.
فالحمراء لم تزل "رغم ما كتب عنها من مصنفات معيناً لا ينضب للكتاب والباحثين في المجالات الفنية والأثرية، إلا أن جانباً مهماً من هذه المجالات ما يزال قاصراً، وفى حاجة إلى عدد من البحوث والدراسات"، ويشير المؤلف هنا إلى "الدراسات الخاصة بالنقوش التي تزيِّن جدران الحمراء ونافوراتها". ويعتبر أن هذه الدراسات اتجهت منذ منتصف القرن الماضي إلى محاولات لقراءة مختارات من نقوش الحمراء الكتابية، وفك رموزها وألغازها، ثم ترجمتها من العربية إلى الإسبانية، وقد بدأت تلك المحاولات في وقت مبكر على يد الموريسكي الغرناطي الونسو دل كاستيو، مترجم البلاط في عصر الملك الإسباني فيليب الثاني، وتبعه في وصف نقوش الحمراء بعض الرحالة والسفراء العرب، منهم أحمد بن المهدي الغزال الفاسي، والسفير بن عثمان المكناسي. أما الدراسات العلمية الجادة عن النقوش الكتابية بالحمراء، فيرى الباحث أنها بدأت على يد المستعرب جارثيا جوميت، الذي بدأ بدراسة النقوش الكتابية، ولا سيما الأشعار التي تزين الحمراء، وأهميتها في اللغة والأدب، واهتم بصفة خاصة بأشعار الوزير أبي عبد الله بن زمرك الذي نال شهرة واسعة في الأوساط العلمية على أنه شاعر الحمراء الوحيد، وقد دعا الأستاذ جارثيا جوميث في مصنفه عن هذا الشاعر إلى ضرورة الاهتمام بدراسة النقوش التي تزيِّن جدران قاعات الحمراء ونافوراتها.. كما نقل عن هذا الكتاب أحد الدارسين. ويتابع الدارس: "من هنا بدأ الاهتمام بدراسة النقوش الكتابية دراسة علمية دقيقة، ففي مجال اللغة وترجمة الأشعار إلى اللغة الإسبانية قدمت الباحثة ماريا خيسوس روبيرا رسالتها للحصول على درجة الدكتوراه في عام 1970 عن الشاعر الوزير أبى الحسن علي ابن الجياب، وهي الرسالة التي تزيِّن قاعات الحمراء، ونشرت نتائج ما توصلت إليه من خلال دراستها لهذا الموضوع في مجلة "الأندلس"، ثم نشرت بحثاً آخر بعد ذلك عن بعض أشعار لابن الخطيب تزدان بها قاعة السفراء. ثم واصل الأستاذ جارثيا جوميث بحوثه في هذا المجال بدراسة عن الأشعار العربية التي تزين جدران الحمراء ونافوراتها، مع ترجمة لهذه الأشعار إلى اللغة الإسبانية.
ويلاحظ الدارس أن تلك الدراسات الخاصة بنقوش الحمراء ركزت، حتى الآن، على مجرد نقل الأشعار التي تزين القاعات وترجمتها إلى الإسبانية، دون الاهتمام بالنقوش الأخرى، أو بإعداد سجل لصور وأشكال هذه النقوش.
ويعتبر الجمل أن قلة البحوث والدراسات الأجنبية الحديثة، وعدم وجود دراسات باللغة العربية، شكلت دافعاً له لدراسة جانب جديد من تلك النقوش. وكان عام 1989 بداية اهتمامه بالبحث في النقوش الكتابية بقصور الحمراء، ويقول: "كنت قد ترددت في الإقبال على البحث في هذا المجال لقلة المادة العلمية، وصعوبة البحث في هذا الحقل البكر في الدراسات الأثرية، وصعوبة الحصول على منحة لإجراء الدراسة العلمية الميدانية في قصور الحمراء، هذا بالإضافة إلى ضرورة الالتزام بالدقة في قراءة النقوش الكتابية، وتسجيلها بالصور التوضيحية. وهذا التصوير لم يكن من السهل تحقيقه دائماً، لأن كثيراً من هذه النقوش كان مسجلاً في مواقع ومواضع متعددة، وبخطوط دقيقة تختلط بالوريقات والتشكيلات الزخرفية الهندسية المتعددة الأنواع والأشكال، فضلاً عن أن معظم النقوش الكتابية يتركز في أماكن مرتفعة من الجدران، وفي بعض الأبراج غير المصرح بزيارتها، إلا بتصريحات تتطلب وقتاً طويلاً، إلى أن وفقني الله وحصلت على منحة للسفر إلى إسبانيا في عام 1991، وهناك درست مجموعة من قاعات الحمراء، مع تسجيل ونشر علمي مزود باللوحات والصور التوضيحية لنقوشها، وكنت أصوّر وأدرس كل ما يتعلق بالنقوش الشعرية والنثرية المسجلة على جدران الحمراء، مهتماً في المقام الأول بالدّراسة الأثرية للنقوش، ومقارنتها بعد ذلك بما ورد عنها في المصادر الأدبية والتاريخية. وبعد أن انتهيت من بحثي الأول عن الكتابات الأثرية في منشآت يوسف الأول بقصور الحمراء، كان كل ما يتصل بالنقوش الكتابية التي تزيِّن قصور الحمراء محل اهتمامي، ولا سيما بعد أن سافرت إلى إسبانيا لمدة عامين لدراسة الآثار الإسلامية، وظل نشر هذا العمل حلماً يراودني، ولا سيما أن معظم الناشرين في العالم العربي لا يقدمون على نشر هذا النوع من المؤلفات، التي تحتاج إلى تكاليف باهظة، ولكن توفيق الله كان إلى جانبي، حيث وافقت مؤسسة علمية ضخمة، هي مكتبة الإسكندرية، على تحمل التكاليف والاضطلاع بنشر هذا العمل".
وهكذا ظهر الكتاب إلى النور، وحسناً فعل الكاتب بإصراره على إنجاز الكتاب ونشره، ليس لأجل الجهد الذي بذله في إعداده وتأليفه وقراءة نصوص ونقوش الحمراء فحسب، وليس لأجل إحياء عقدة الأندلس التاريخية فحسب، وإنما لأجل الاطلاع، فعلاً، على ديوان العمارة والنقوش العربية الضخم والتاريخي، والذي يجعلنا نقف أمام التاريخ على أنه معلوم ومجهول في آن معاً، على أنه مرئي وغير مرئي معاً، على أننا صنعناه وصنعنا في الوقت ذاته، نقف أمام التاريخ بوصفه نيزكاً يضيء ويقتل في آن معاً.
الكتاب: قصور الحمراء - ديوان العمارة والنقوش العربية
الكاتب: د. محمد عبد المنعم الجمل (تقديم: إسماعيل سراج الدين)
الناشر: مكتبة الإسكندرية - مصر
خدمات المحتوى
|
تقييم
محتويات مشابهة
الاكثر إهداءً/ش
الافضل تقييماً/ش
الاكثر مشاهدةً/ش
|