رواية \"الضفة المظلمة\" .. المجهول في حياة البشر
12-04-2009 08:14 PM
صحيفة نجران : كتب وأدب
"الضفة المظلمة" رواية للكاتب الأسباني خوسيه ماريا ميرينو، المولود عام 1941. وكان بدأ شاعراً، لكن روايته "قصة آندرِس تشوث" التي نشرها عام 1976 كرسته كروائي على حساب الشاعر. كتب ميرينو العديد من المؤلفات، منها: الحَلّة الذهبية، قصص مملكة السّر، المسافر الضائع، ذهب الأحلام، أرض الزمن المفقود، دموع الشمس..
هذه الرواية ترجمها المترجم السوري علي إبراهيم أشقر، ترجمة لم تصدر أية شكوى منها. فالمترجم له دربة طويلة في مهنته، وصدرت عن وزارة الثقافة السورية العام 2006. لكن المتابعين فوجئوا بترجمة ثانية لها عام 2008 قام بها المترجم البارز صالح علماني، وصدرت عن دار المدى بدمشق. وبالمقارنة بين الترجمتين لم يلاحظ القراء فروقاً تستدعي إعادة الترجمة، فالفرق في الصياغة لم يشكل فرقاً في الرواية.
ولكن الأمر يتعلق بنجاح رواية، واستثمار هذا النجاح من قبل دور نشر، لأسباب ربحية بطبيعة الحال، ليس أكثر!
يعتبر الكاتب أن الأدب هو تدوين الضفاف المظلمة. وهذه هي مناطق الحدس التي يعول الكاتب عليها لاكتشاف المناطق المجهولة في حياة البشر، واكتشاف الضفاف المظلمة للحياة، حيث "الأفكار تفكر من تلقاء ذاتها". الحدس، إذاً، كفيل بالسماح للأفكار أن تفكر من تلقاء ذاتها، هكذا..
في إحدى الدراسات المهمة عن هذه الرواية، اعتبرت إحدى الكاتبات أن رواية الضفة المظلمة "متحف يحفظ بقايا التألق الاستعماري الأسباني في أمريكا اللاتينية، مكان مثالي لبلبلة البطل، وإدخاله المنطقة المتاخمة لحدود اليقظة"، وترى أنه "في اليوم الذي تؤرخه الرواية يشعر البطل كما لو أن الاستيقاظ قد مُنح له لأول مرة، كما لو أنه خروج أولي من حلم غير متناهٍ كان غارقاً فيه منذ بداية الزمان، ولأسباب يعجز عن سبر غورها. لذلك ارتاب في أن وراء المظهر الحقيقي لكل ما يحيط به في الزمان والجغرافية، يمكن لتشابكات حلم متينة أن تكون آخذة بمحاصرته، كهلوسات شاذة تقلب اتجاه الزمن وترمم بقايا زمن حي".
ثمة مستويات عديدة تنتقل فيها/ وتؤسس لها هذه الرواية. يتبدى ذلك في وجود روايتين تُكتبان معًا: رواية الكاتب ذاتها، ورواية بطل رواية الكاتب. وبالتأكيد ثمة قارئان: قارئ الرواية الافتراضي الذي هو، الآن، أنا، كمثال! وقارئ حقيقي لرواية البطل! يمكن تصور المفارقة. في الرواية قارئ حقيقي لقصة حقيقية تجري أحداثها أمامه، وثؤثر عليه وعلى مصيره، ويشارك فيها.. بينما في الحياة رواية مفترَضة وقارئ مفترَض ومشاركته فيها افتراضية، أو مجازية بأحسن الأحوال!
تعتبر الدراسة المشار إليها أن وجود "لوحة في المتحف تقدم للبطل وجهاً يشبه، بصورة مطلقة، وجه أبيه"، يشير إلى أن المتحف سيتولى "نشر مرجعيات حياته الخاصة أمامه في تركيب مستحيل، مترع بالاحتمالية".
وتتابع الدراسة المشار إليها أنه "في إطار عملية استبدال حيوي مع السليل المتبقي لصاحب الصورة، يدخلنا ميرينو في متاهة ضبابية بتفاصيل دقيقة وإسهاب سردي مطوّل، يحيط بفكرة الولوج إلى حلم الرجل الآخر وتلبّس حياته. مما يدفع بالبطل نحو مجاهل الأرق، ويبقيه خلال النهار في حالة وهن، تشبه تلك التي تسببها عملية تحوّل محمومة. بينما يتيح له استمرار الأرق تنظيم ذكرياته وضبطها في ميقاتها الصحيح"... لكنه يتوصل إلى النوم أخيراً، ويشكل الحلم الذي رآه إمكانية كبيرة لإضافة فصل جديد لمغامراته التي لا حيلة له بها.
على القارب فوق مياه النهر استغرق في رواية الربان، التي أدخلته بدورها، كما تعبر تلك الدراسة، في متاهات جديدة متعاقبة واظبت على أسره وخلخلته بتجارب استثنائية.
لا يكف الكاتب عن التدخل في نص الرواية التي يصوغها بطله، فيزعم أنه كاتب آخر يدعى بيدرو بالاث، ليقول آراءه الحادة. معتبراً، كمثال، أن حياته الحقيقية كانت ملحقة بحيوات قرأها. ويصف كيف أن العوالم التي عرفها في التخيل القصصي تتداخل مع مشاهد عالم حياته الواقعي، وهكذا فإن ذاكرته المتحولة، في نهاية الأمر، تقود إلى حياته نفسها، متكونة من مزيج حميم من المعيش والمقروء، كما تذهب الصحفية.
تأتي رواية الربان لتجسد الحالة الحركية للحياة، عبر مكان غامض يشكل قاعدة رباعية الوجوه. بينما يشكل الوجوه الثلاثة الأخرى ثلاثة أشخاص لكل منهم توجه مختلف. بحيث لا يمكن لأي من الوجوه، كما ورد في إحدى الصحف، أن يعكس المشهد نفسه. وتلتقي القصص الثلاث المختلفة في النهاية، كما لو أنها تصل إلى زاوية التطابق، وتغلق الدائرة..
وتعتِبر الدراسة أن الكاتب ميرينو أراد، عبر الروايتين الدخيلتين، أن يتكهن بالطريقة التي يتوحد بها سلوك الشخصيات. لكن البطل يشعر بالقلق نحو كلمات الربان، وكأن تلك القصة قادرة على تهديده والنيل منه شخصياً، أو كما لو أنه هو نفسه متورط بطريقة ما في الحبكة، وبذلك فالأبطال يحدِسون مسبقا بعمق الهاوية التي يجرهم إليها المؤلف، ويحاسبونه على متاهته المبعثرة..
وكي تتعقد الرواية وتلفها الغرابة، يُلحق الربان قصته برواية نونيا، رفيقة المراهقة في الزمن المتماسك، التي تتحرك أيضاً في دروب الأحلام الوعرة. وهي رواية عن حاجّين عرفتهما الشابة في مراهقتها، وقادهما الزمن من الحب إلى الخطيئة والهزيمة. فاستقرا في أحلامها كهاجس حلمي ملح، ظل يتكرر لسنوات على شكل محاولة يائسة لتحقيق اللقاء المستحيل.
وعلى التوازي وفي توالي الحلم الضبابي نفسه، كان البطل مرة أخرى المكتشف الضائع في قصة الخالة مارثيلنا. وكان، في الوقت نفسه، طفلاً رشيقاً يراقب إيغوانا.. دائرة حلم آخر داخل الأحلام السابقة، حلم يوضح نوع المعرفة التي يكتسبها البطل جراء سلسلة الأحلام كلها، كما تعبّر الدارسة.
من جديد كان مستغرقا في الحلم بوعي كامل له، وبإحساس ممتع بالراحة، حين أحس أنه على وشك أن يصاب بتضاؤل وتضخم في الوقت نفسه، وأدرك أن مجرد إشارة من إرادته ستكفي لإدخاله إلى الأبد في عالم لا ذاكرة له، لكنه أسلم نفسه إلى ذلك الدوار.
وعلى هذا النحو تسير الرواية، من متاهة إلى أخرى، ومن حلم كابوسي إلى آخر، ومن ضياع إلى ضياع... بالأحرى: من رواية إلى أخرى، على نحو يجعلنا نقتنع، أو نكاد، أن الأدب يصدر، حقاً، من الضفة المظلمة.
رواية: الضفة المظلمة.
الكاتب: خوسه ماريا ميرينو.
ترجمة: علي إبراهيم أشقر. وزارة الثقافة السورية، 2006.
وصالح علماني- دار المدى- دمشق 2008
خدمات المحتوى
|
تقييم
|