كتاب يبحث في أصل اللغة كيف بدأت وكيف تطورت..
11-13-2009 07:49 PM
يتناول هذا الكتاب لغة البشر: كيف بدأت، ولمَ؟ وكيف تطورت؟ وما الذي يمسك اللحمة بين اللغات جميعاً؟ وهذا موضوع واسع قد اجتذب منذ زمن بعيد اهتمام الناس من مشارب شتى. ولعل هذا الأمر هو سر تشتّت الأدلة أصنافاً. فهذا الكتاب يحاول تقديم نظرة شاملة إلى ما يتوافر لدينا اليوم من معرفة. وإذ أن مقاربة الموضوع ممكنة من زوايا شتى، فإن الكتاب، من بعض الوجوه، عدة كتب حيكت في كتاب واحد.
تُفتتح كثير من المؤلفات في اللغة، بعرض عام لما تشمله اللغة من سماتها البارزة الأساسية، وهلمّ جرّا. أما طريقة هذا الكتاب فمختلفة. فهو يقتصر، في فصوله الأولى، على مناقشة أقل قدر ممكن من الأمور المختصة باللغة، بما يكفي للتنبيه على بعض مقوماتها المحيرة، ويهيئ الباحث لاستكشاف أصلها وتطورها.
ومع الاستطراد في الكتاب، نكتشف المزيد من المعلومات الجديدة التي تختص باللغة. مع الالتزام في ذلك باقتفاء أثر أسلافنا، في توسيعهم الدؤوب لنطاق اللغة في أثناء تطورها على مدى آلاف السنين.
كيف بدأت اللغة؟
لقد تطورنا نحن البشر إلى كائنات غريبة جداً. كما يعبر الكتاب، ومهما يقع في المستقبل، فإن ذلك لن يكون، على ما يظهر، أشد غرابة مما وقع في الماضي. فنحن نختلف عن غيرنا من الحيوان بطبخنا الطعام وارتدائنا الثياب. ومن السمات البارزة المميزة الأخرى نزوعنا إلى قتل بعضنا بعضاً، وتحبيذنا اللطيف للمضاجعة وجهاً لوجه.
لكن لعل أهم السمات المميزة هي اللغة. فهذه المنظومة الغريبة جداً تتيح لنا التواصل بعضناً مع البعض في كل شيء من الأشياء، حاضرة كانت أو غائبة أو غير موجودة.. ويعرض الكتاب هذا المقطع الشعري الدال على فكرته:
"في أرض بمبلي بو/ يمكنك شراء فطيرة الليمون من حديقة الحيوانات/ فهم يقدمون الثعالب هدايا/ في علب وردية صغيرة/ وزجاجات من دنديليون ستو".
لم ير إنسان قط المتع الغريبة لهذه الأرض الخيالية، ومع هذا فلا يصعب علينا فهم هذه الأبيات التي نظمتها الكاتبة الساخرة سبايك ميلغن. فهذه المنظومة شديدة الغرابة بالمقايسة مع منظومات التواصل لدى الحيوانات الأخرى، التي يقتصر معظمها على نقل رسائل عن الأحداث اليومية، مثل الطعام والخطر والتزاوج والحدود.
إن البشر كائنات غريبة في محيطها. فنحن بالنسبة إلى محيطنا الحيواني نوع فريد، ويضاهي في غرابته الهوتزن، طائر أميركي جنوبي أزرق الوجه لامعه، وأحمر العينين كبيرهما، وبرتقالي الصدر، يعيش في غابات الأمازون المطيرة.
ينفرد الهوتزن عن غيره من الطيور بما طوره من جهاز للهضم، شبيه بجهاز الهضم عند البقر. ونحن البشر غريبون الغرابة نفسها، لأن اللغة، بما فيها من أصوات سريعة ومحكمة، تشبه غناء الطير أكثر مما تشبه الإشارات الصوتية لذوي قرابتنا من القردة.
لقد ظهر كثير من النظريات الغريبة. ولنأخذ مثلاً وجهة نظر سفينة نوح التي رأت أن الصينية هي اللغة البدائية الممكنة للبشر. لقد كانت لغة نوح وأسرته في السفينة، ولهذا نجت من الطوفان. وهذا الرأي هو، على الأقل، رأي جون وب أحد كتاب القرن السابع عشر، والذي ذكره في "مقالة تاريخية تتناول ترجيح كون لغة الإمبراطورية الصينية هي اللغة البدائية". وجون وب هذا أحق من يطلق عليه لقب "عاشق مجنون للغة"، وهو اللقب الذي أُطلق على جماعة جاءت بأفكار خاصة وغريبة، مختصة بالكلام وأصله.
أو لنتأمل، كما يدعو الكتاب، في آراء جيمس برنت لورد مونبدو الارستقراطي الإنكليزي الذي نشر سنة 1773 كتاباً في ستة مجلدات في أصل اللغة وتقدمها. فقد قطع بأن الإنسان تعلم الغزل والحياكة من العنكبوت، وإنشاء السدود من القندس، والغناء والكلام من الطير.
ولاحظ أن الوقواق والغراب والببغاء، تصدر أصواتاً تكاد أن تكون أصواتاً أبجدية. ولأجل هذا كان نطق البشر، في نظره، نتيجة لمحاكاة طيور كهذه. ولقد أصاب بعض الباحثين الإيطاليين حينما علق على هذا الرأي، وقال:" إن لورد مونبدو يوحي بأنه نبيل إنكليزي، ألِف أن يجد آذاناً صاغية لأفكاره، حتى لِما شذّ منها وغرب".
فما الذي تغير اليوم؟ يتساءل الكاتب، لقد غدا أصل اللغة وتطورها موضوعاً محترماً بين ليلة وضحاها. وشهدت السنوات القليلة الأخيرة مداً طافحاً من الكتب والمقالات في المجلات الصينية. وها هنا رأي ساخر يذهب إلى أن حقول الاهتمام الأكاديمي تتأرجح جيئة وذهاباً مثل تصاميم الأزياء. غير أن للأمر تفسيراً أكثر واقعية، وهو تفسير ذو شعبتين.
الأولى. لقد انحسرت موجة التسليم الديني. ففي أوقات مضت كان العلماء المحترمون غير مستعدين أن يعترضوا على رأي منصوص عليه، في أول الكتاب المقدس. وهو أن الله قد كوّن الأشياء الحية جميعاً، ثم وهب أسماءها لآدم- الإنسان الأول:" وجبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء. فأحضرها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها. وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو اسمها. فدعا آدم بأسماء جميع البهائم وطيور السماء وجميع حيوانات البرية".
واضطر جان جاك روسو، أحد فلاسفة القرن الثامن عشر، إلى الإتيان بحجج تنصر الاختراع المزدوج للغة حتى يجابه هذه المعضلة:" تكلم آدم، تكلم نوح. لكن من المعلوم أن الله نفسه هو الذي علّم آدم. وحينما افترق أبناء نوح في أرجاء الأرض تركوا الزراعة، فاندثر اللسان المشترك الأول باندثار المجتمع الأول".
الأخرى. إن الأمر الأشد أهمية هو التقدم الذي وقع في دراسة البشر، وموقعهم، في عالم الحيوان. والذي يمكّن من تناول الموضوع تناولاً مفيداً. إن الرئيسيات جميعاً، وهي "الرتبة" الحيوانية التي ينتمي إليها البشر، ذات قدر من التداخل فيما بينها في مقدرتها على إصدار الصوت وسماعه.
لكن الخرْج الصوتي لذوي قرابتنا من الرئيسيات، لم يلقِ على البحث القدر المأمول من الضوء:" ببساطة، إن الوضع الطبيعي للأمور ليس في وضع اليد على علاقات لا لبس فيها بين الصوت وسياقه السلوكي. فبدلاً من هذا، كثيراً ما يقع الصوت نفسه في أوضاع ظاهر اختلافها، وكذلك قد تقع طائفة متنوعة من الأصوات في وضع محدد). وفوق هذا، أن تصنيف الأصوات أمر عسير:" إن الأشكال الصوتية المتوسطة والانتقالية تعفي آثار الحدود". وعليه، إن المقارنة المباشرة بين تصويت البشر والشمبانزي لضئيلة المردود فيما تكشفه.
بهذه الطريقة الرشيقة والجدالية، يتابع الكتاب بحثه الشيق واللطيف، دون أن يتوصل إلى نتيجة حاسمة في أصل الكلام واللغة، لكنه يمنح فضاءات شتى للتفكّر في هذه المسألة التي مازالت، بعد كل هذا العمر المديد للغة، غامضة.
الكتاب: بذور الكلام- أصل اللغة وتطورها.
الكاتب: جين أتشَس.
ترجمة: وفيق فائق كريشات.
الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب، ط 2009.
خدمات المحتوى
|
تقييم
|